ابن الأثير
530
أسد الغابة ( دار الفكر )
قال ابن إسحاق : كان حمزة يقاتل يومئذ بسيفين ، فقال قائل : أيّ أسد هو حمزة ! فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها على ظهره ، فانكشف الدرع عن بطنه ، فزرقه [ ( 1 ) ] وحشي الحبشي ، مولى جبير بن مطعم ، بحربة فقتله . ومثل به المشركون ، وبجميع قتلى المسلمين إلا حنظلة بن أبي عامر الراهب ، فان أباه كان مع المشركين فتركوه لأجله ، وجعل نساء المشركين : هند وصواحباتها يجد عن أنف المسلمين وآذانهم ويبقرون بطونهم ، وبقرت هند بطن حمزة رضى اللَّه عنه فأخرجت كبده ، فجعلت تلوكها فلم تسغها فلفظتها ، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلم : لو دخل بطنها لم تمسها النار . فلما شهده النبي صلّى اللَّه عليه وسلم اشتد وجده عليه ، وقال : لئن ظفرت لأمثلنّ بسبعين منهم ، فأنزل اللَّه سبحانه وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ، وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ ( 2 ) ] . وروى أبو هريرة قال : وقف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم على حمزة ، وقد مثل به ، فلم ير منظرا كان أوجع لقلبه منه ، فقال : « رحمك اللَّه ، أي عم ، فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات » . و روى جابر قال : لما رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حمزة قتيلا بكى ، فلما رأى ما مثل به شهق ، وقال : « لولا أن تجد [ ( 3 ) ] صفية لتركته حتى يحشر من بطون الطير والسباع » . وصفية هي أم الزبير وهي أخته . وروى محمد بن عقيل ، عن جابر قال : « لما سمع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ما فعل بحمزة شهق ، فلما رأى ما فعل به صعق . ولما عاد النبي صلّى اللَّه عليه وسلم إلى المدينة سمع النوح على قتلى الأنصار ، قال : لكن حمزة لا بواكي له . فسمع الأنصار فأمروا نساءهم أن يندبن حمزة قبل قتلاهم ، ففعلن ذلك ، قال الواقدي : فلم يزلن يبدأن بالندب لحمزة حتى الآن . وقال كعب بن مالك يرثى حمزة ، وقيل هي لعبد اللَّه بن رواحة [ ( 4 ) ] : بكت عيني وحقّ لها بكاها * وما يغنى البكاء ولا العويل على أسد الإله غداة قالوا * لحمزة [ ( 5 ) ] : ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا * هناك وقد أصيب به الرسول أبا يعلى ، لك الأركان هدّت * وأنت الماجد البرّ الوصول عليك سلام ربك في جنان * يخالطها نعيم لا يزول ألا يا هاشم الأخيار صبرا * فكل فعالكم حسن جميل رسول اللَّه مصطبر كريم * بأمر اللَّه ينطق إذ يقول
--> [ ( 1 ) ] زرقه برمحه : رماه به . [ ( 2 ) ] النحل : 126 ، 127 . [ ( 3 ) ] تجد : تحزن . [ ( 4 ) ] الأبيات في سيرة ابن هشام 2 - 162 . [ ( 5 ) ] في السيرة : أحمزة .